ثمانية أشهر في المعتقل

 

ذكرياتي في الأمن العامة ببغداد عن الشهيد السعيد العلامة الحجّة السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره) والعلامة الشهيد السعيد السيّد علاء الحكيم(رحمه الله)

 بقلم : مُخلص الجدّه المحامي

 الاسم المستعار : ( زكريّا الجدّه )

 

هذا هو نصّ عنوان المذكّرات التي كتبها الأخ الأستاذ المحامي مخلص الجدّه، سجّل فيها بأسلوبه الشيّق أهمّ الأحداث التي وقعت له ولهذين الشهيدين المظلومين (قدّس سرهما) .

وقد استوعب الأستاذ المحامي جميع ما شاهده من الأحداث التي جرت على هذين الشهيدين، من خلال الحديث عن المراحل التي طواها في المعتقل منذ اعتقاله حتى الإفراج عنه . ودوّن ذلك بكلّ دقة وأمانة فشكر الله سعيه، ونحن قد اقتطفنا من مذكّراته ما نحن بصدد إعداده، آملين أن تتاح فرصة اُخرى لنشر جميع ما احتوته مذكّراته من الحقائق الرهيبة .

يقول الأخ المحامي في مطلع حديثه :

تعرّضت بتاريخ 3/10/1981 للاعتقال من حرم كلية الفقه في النجف الأشرف، حيث داهم رجال الأمن حرم الكلية، وكان عددهم يزيد على أربعة أشخاص، قاموا بأقتيادي بقوّة نحو سيّارتهم التي نُقلت بها إلى مديرية أمن النجف معصّب العينين، ومن ثمّ نقلت إلى مديرية أمن بغداد .

وعندما اقتربت السيّارة من منطقة الأمن العامة، ألبسوني نظارة سوداء كي لاأستطيع النظر إلى أبنية الأمن الرهيبة وأتعرّف على زواياها وخباياها .

نعم فهي تعتبر مدينة كاملة محصّنة بسور عال تتوزّع عليه عشرات الأبراج الحديدية للمراقبة، وتحتوي على عدّة أجهزة الكترونية للمراقبة التلفزيونية والرادارية، وأجهزة التنصّت، وهناك تلاحظ بنايات مرتفعة تحتوي على عدژة طوابق وكلّ بناية لها وظيفتها الخاصة، وتسمى البناية «الشُعْبة » فأدخلوني إحدى هذه البنايات، وهي الشعبة الخامسة المختصّة بقضايا الشعب الشيعي ومكافحته.

وكان يرأس هذه الشعبة المجرم العقيد سعدون أو (زهير) وهو اسمه المستعار، وهو من أهالي كركوك، وكان المجرم رائد الأمن محمود ياسين التكريتي، واسمه المستعار (الرائد عامر) معاوناً للعقيد سعدون .

دخلتُ رواق الطابق الثالث من بناية الشعبة الخامسة الرهيبة حقّاً، فكلّ شيء فيها يوحي بالرعب والوحشة ! أنين المعتقلين، رائحة الدماء، صرخات التعذيب .

لذا أُصبتُ بالإغماء والدوار بعد فترة من دخولي إلى هذه البناية الرهيبة، وقد أفقتُ على ركلات قويّة من أحد رجال الأمن العامة يدعوني إلى غرفة التحقيق، ثمّ اقتادني إلى الغرفة المذكورة، وأنا أسير معه وأسمع أنينهم وألمح بعضهم من تحت أطراف العصابة السوداء، مررتُ برجل من رجال الدين إلا أنه حليق اللحية يرتدي بدلة ممزّقة عاري الرأس مربوط بقنينة ثقيلة للغاز السائل، بسلاسل حديدية، وعرفتُ في ما بعد أنه العلامة السيّد علاء الدين نجل الإمام الحكيم (رضوان الله عليه) وشاهدتُ رجل دين آخر عرفتُ أنه العلامة السيّد عبد الصاحب عطيفة من علماء الگريعات في بغداد، وخطيب وإمام الجمعة في الجامع الصفوي في الكاظمية، وشاهدت ... وعند وصولي إلى باب غرفة التحقيق شاهدتُ رجل دين بلا عمّة ولكنه يرتدي بزةً دينية ويجلس على بطانية (ملاءة) مكبّل اليدين ومربوط بشماعة ملابس ثقيلة، ويرتل بعض الآيات القرآنية، فعرفتُ بعدها أنّه العلامة السيّد محمّد تقي الحسيني الجلالي(قدس سره) .

وبعد التحقيق القاسي الذي أجروه معي أرجعوني إلى إحدى الغرف الحاشدة بالمعتقلين ... مكثتُ على هذه الحالة من التعذيب الروحي والجسدي طيلة ثمانية شهور في الأمن العامة أرى وأسمع واُعاني من أنواع العذاب لي ولإخواني السجناء الأبرياء، إلاّ أنني حمدتُ الله على رعايته لي إذْ لم يمارسوا معي عملاً لاأخلاقياً، وإنما جرّبوا كافة وسائل التعذيب الأخرى، كذلك الحال بالنسبة إلى الشهيدين السعيدين السيّد محمّد تقي الجلالي والسيّد علاء الحكيم (رضوان الله عليهما).

فقد حفظهما الله تعالى من ممارسات هؤلاء المجرمين اللاأخلاقية .

وكان أحد الشباب المعتقلين معنا قد أجبره رجال الأمن على أعمال التنظيف في غرفهم، في ذات يوم أخبرني بأنّه يشاهد إضبارات كثيرة، وكان يقول : إن أكبر الإضبارات هناك هي إضبارة السيّد محمّد تقي الجلالي (رض) والسيّد علاء الحكيم(رض) لكنه لم يستطع قراءة محتواها خوفاً من أن يجدوه متلبساً بذلك .

كان الشهيد(قدس سره) السيّد الجلالي(رض) معنا في نفس الغرفة، وكان رجال الأمن يطلقون عليها اسم (غرفة الصامدين) وهذه الغرفة جعلوها للذين لم يعترفوا بشيء، وكان فيها زهاء الثلاثين معتقلاً، في حين أن أبعادها لاتتجاوز (4 م × 5 م) وكان فيها أنبوب حديدي يطوق جدرآنها الأربعة، وفيه حلقات حديدية كثيرة، قد أوثقوا أيدينا بها ليلاً ونهاراً، وكان التعذيب الروحي والجسدي شديداً جدّاً ...

وكنتُ أرفض حلق لحيتي من قبل حلاّق الأمن، حيث كانوا يحلقون لحانا بين فترة واخرى، ولم يقصدوا بذلك الناحية الصحية، بل كانوا يستهدفون الإهانة والاستخفاف بالدين، وكذلك كان الشهيد السعيد الجلالي(قدس سره) يرفض حلق لحيته الكريمة، وأما العلامة السيّد علاء الحكيم (رض) فقد أجبروه على حلق لحيته، وقد كان في محنة شديدة رضوان الله تعالى عليه .

نعود للحديث عن سماحة الشهيد السيّد الجلالي(رض) فقد كلّمته خلسةً وبدون علم رجال الأمن، وذلك عند منتصف الليل، فقلت له : ما تهمتك يا سيدي؟ فقال (رض): لحدّ الآن لم أعرف ما هو الاتهام ضدّي، ثم قال(قدس سره) : كان هناك شابٌ فقيرٌ قد احتضنته وأكرمته، وأدخلته في حوزة الإمام القاسم(عليه السلام) وقد دسّوه عليّ فهو سبب هذه المحنة وهذا العناء، واغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال لي: قد اعتقلني رجال الأمن وأنا في طريقي إلى مدينة القاسم(عليه السلام) وكان معي من المال مبلغ مقداره ألف دينار، وقد سلبوه مني، وكنتُ ناوياً توزيعه كمعونات على الطلبة، وقد كانت هذه كلماته الأخيرة التي قالها لي(رضوان الله عليه).

وفي نفس الليلة التي كنتُ أتحدّث فيها مع سماحة السيّد الجلالي(قدس سره)غفوتُ فرأيتُ نفسي وكأني في صحن الإمام الكاظم(عليه السلام) ثم انتقلتُ فجأةً إلى المدرسة الشبّرية ورأيتُ السيّد المجاهد السيّد جواد شبّر وقد دار بيننا حديث، ثم استيقظتُ، وكان الشهيد الجلالي(قدس سره) غافياً وواضعاً رأسه الشريف في حجره، وقد مضى عليّ في المعتقل ستة أشهر، ثم نقل الشهيد السيّد الجلالي إلى وجهة لم نعرفها ... وبعد شهرين اُفرج عنّي، وبعد فترة علمتُ بأن العلامة السيّد الجلالي قد اختاره الله تعالى إلى جواره شهيداً مظلوماً (رضوان الله عليه).

أمّا السيّد علاء الحكيم (رض) فقد تركتُه في مكانه معتقلاً مظلوماً إلى أن رزقه الله درجة الشهادة في سبيله، مع الكوكبة الطاهرة من أبناء وأحفاد الإمام الحكيم (رضوان الله عليهم أجمعين).

وقد كنتُ قبل اعتقال السيّد الشهيد الجلالي(رض) قد التقيتُه قرب مسجد الحاج البهبهاني فسلّمتُ عليه، وكان كعادته أنيقاً في ملبسه، جميل المحيّا، أبيض الوجه .

أما السيّد علاء الحكيم(رض) فقد رأيتُه قبل اعتقاله عند الرواق الذهبي للإمام علي(عليه السلام)وهو صبيح الوجه أبيضه مع حمرة نوارنية.

فسلامٌ عليهما يوم وُلدا، ويوم رُزقا الشهادة في سبيله ويوم يُبعثان .

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء الفرج

 

اَللّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِهِ في هذِهِ السّاعَةِ وَفي كُلِّ ساعَةٍ وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَليلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً