الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد تقي الحسيني الجلالي (قدس سره)

 

الشهيد الجلالي وسلوكه الاجتماعي

 

أخلاقه وتواضعه :

 

إنّ الخلق الحسن دليل واضح على شرف النفس وطيب العرق، وهذا ما كان يتصف به الشهيد(قدس سره)، حيث كان على جانب عظيم من الأدب والتواضع واسع الصدر يتعامل مع الجميع بلطف وحب، وبوجه طلق، وقلب منفتح.

نعم كان ذا أخلاق حميدة، وصفات كريمة، كريم الطبع، حسن السيرة، طاهر السريرة، لطيف المعشر، لين العريكة، فهو في سلوكه الاجتماعي في القمة من التهذيب، ليس فقط بالنسبة إلى تلامذته، ومحبّيه، وجيرانه بل حتى بالنسبة إلى معارضيه ومناوئيه، ففي ذات يوم سمعت بعض من يحسبون أنهم على شيء من الجهاد! والعمل للإسلام! يقولون له : «إنّك مخطىء» وعبارات اُخرى تنمُّ عن حقد وحسد، فما كان(قدس سره) يعبؤ بقولهم; لأنه ينظر بعين الآخرة، وهؤلاء ينظرون بعين الدنيا، فكان يقابلهم برحابة صدر، فيشرح لهم الموقف، وما يترتّب عليه من آثار تخدم حاضر الإسلام ومستقبله .

 

 

معاملته لجيرانه :

 

عرف الشهيد(قدس سره) بحسن السيرة مع جيرانه سواء في كربلاء المقدسة أو في النجف الاشرف في منطقة الجديدة، أو في منطقة الحنّانة، أو مدينة القاسم(عليه السلام) .

وسواء في مدرسته، أو في سفره، أو المجاور له في المجلس .

كان يكرم جيرانه إكراماً بالغاً، ويحسن إليهم، ويتفقدهم، ويشاركهم في أفراحهم وأحزانهم، وكانت له عناية خاصة بالفقراء ورعايتهم، وقد يتفق في بعض الشهور أن لايكون لدى الشهيد(قدس سره) المبلغ اللازم لمساعدة الفقراء والأيتام ذلك الشهر، فيسارع لتأمين المبلغ المطلوب لسد حاجتهم، ولم يسمح لنفسه أن يتأخّر عن مساعدتهم، وكان يمدّ اليهم يد العون بعيداً عن الأهواء والأنانيّات ; فذات مرّة كنّا نوزّع ما لدينا من مؤن على الفقراء اذ جاءت امرأة معها أيتام فقدوا والدهم في الحرب المفروصة بين العراق وإيران، فتعرّضتْ للإمام الخمينيّ بسوء أدب فغضبتُ عليها ومنعتُ عنها المساعدة وصحتُ بها، وكان ذلك في ساحة المدرسة الدينية في القاسم(عليه السلام) فخرج السيد (قدس سره) من غرفته التي تطلّ على ساحة المدرسة، وأرجع المرأة، وسألها: هل تعرفين من هو (الخميني)؟ فصوّرته المرأة رجلاً دمويّاً يحاول أن يحكم العراق بدلاً من ( الطاغية) حسب فهمها.

فقال السيد (قدس سره): أفهمها مَنْ هو الإمام الخميني، وتدرّج لها في الموضوع، وقال لي والغضب باد على وجهه : إنّي لم أجعلك مسؤولاً عن توزيع المساعدات على الفقراء فتمنعهم حسب مزاجك، وراقب الله تعالى في ما اؤتمنتَ عليه .

وبعد أن أوضحتُ صورة الإمام الخميني(قدس سره) للمرأة وأنّه رجل دين، والسيّد الجلالي لديه وكالة منه، بكتْ واعتذرتْ بأنّها لم تكن تعرف ذلك وهي تائبة إلى الله مما بدر منها .

فسمع الشهيد(قدس سره) ما جرى . فتبسّم قائلاً : يجب أن لا تتسرع بالحكم على هؤلاء ; لأنهم مخدوعون بإعلام النظام الذي صوّر لهم الإمام الخميني(قدس سره) بما ليس فيه، ويجب أن تعرف وتتعلّم كيف تعامل أمثال هؤلاء باللين، واعلم بأن الأموال التي لدينا ليست لنا، بل نحن الوسطاء بين صاحب الحقوق وبين الفقراء، فينبغي أن لانجفو أحداً لمزاج أو عاطفة .

 

مساعداته للمتعففين :

 

وكان يبذل المساعدات بسخاء لعوائل الشهداء والمعتقلين، وقد يستلزم الامر أن يرسل بعض الهدايا العينية من حسابه الخاص لبعض المسؤولين في الدولة، وسألته ذات مرة عن اسباب ذلك؟ فقال(قدس سره) : اننا نرسل عن طريق هؤلاء مساعدات إلى المعتقلين في سجون ( بغداد والنجف الاشرف وغيرهما ) .

كان يبذل لاحد السادة المنتسبين لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان وجيهاً في المنطقة وله شأن عشائري ومستوى اجتماعي مرموق، فسألته عن أحوال هذا السيّد، وأنه لا تبدو عليه الحاجة ؟

فقال(قدس سره) : «ارحموا عزيز قوم ذلّ» إنّ هذا السيّد كان غنياً وكريماً وعرف عنه انه يبذل بسخاء للمحتاجين وخدمة المجالس الحسينية، وهو معروف في منطقته، ولكن تغير الزمن وصرف الدهر أوصله إلى ما ترى، فيجب سد احتياجاته من المال، لكي لا يظهر عليه الذلّ لتدينه وكرمه .

 

 

 احترامه للعلماء وطلاب العلم

 

كان الشهيد(قدس سره) يؤكد في مجالس الدرس والمحافل العامة، ويوصي باحترام العلماء وعدم التعرض لهم بسوء الحديث، وكثيراً ما يردد أن من عواقب التجرّؤ على العلماء قصر العمر وقلّة الرزق .

وقد أكدت بعض الروايات على «أنّ الذنوب كما لها آثار أخروية من استحقاق العذاب، كذلك لها آثار وضعية تتحقق في هذه الدنيا من تعجيل بلاء، أو تغير نعمة، أو حبس دعاء، وهكذا» ([1])

وقد أكد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على احترام العلماء والنهي عن الاستخفاف بهم، فقد رُوي عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) قال : أوحى الله تعالى إلى دانيال: إن أمقت عبيدي الجاهل المستخفّ بأهل العلم التارك للاقتداء بهم، وإنّ أحبّ عبيدي التقيّ الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء القابل عن الحكماء ([2])

ولربما يدخل هذا في باب محاربة أوّل ياء الله تعالى، وهذا من الذنوب الكبائر، وكان الشهيد(قدس سره) يقيم الشواهد الكثيرة على ذلك، فكان يشير إلى سبب قصر عمر أحد العلماء المبرزين، بأنه كان قد تجرأ على جدّه لأُمه، فاُبتلي بذلك، وهذا ما يتناقله الكثير من العلماء .

واكتفي بذكر حادثة جرت أمامي مع رجل زار الشهيد(قدس سره) في المدرسة الدينية في القاسم(عليه السلام) وكان من محافظة ( ... ) ومن عائلة ثرية، وكان الشهيد(قدس سره) يعرفه شخصياً، ويرتبط معه بعلاقات، جاء هذا الرجل طالباً من الشهيد(قدس سره) مساعدة مالية، فلم يكن من الشهيد(قدس سره) إلا أن أعطاه ما يسد حاجته وقبل أن يخرج بادره الشهيد(قدس سره) بالسؤال عن أيام الشباب إلى ان استمر الحديث عن زيارة الإمام الراحل السيّد أبي الحسن الاصفهاني لمدينتهم، فقال الرجل : أذكر ذلك، وكنت وقتها شاباً، وقد تحدّيت السيّد أبا الحسن ووقفت بوجهه، حتى وصل الامر بالسيّد أن قبض على لحيته وعض عليها بأسنانه، وأخذ يرتجف وأحمر وجهه، لانني كنت من وسط إجتماعي معروف، وقد ظهر من خلال كلامه إحتقاره للسيد الإمام(قدس سره) ; لانه كان من عائلة بسيطة، ولم ينظر إلى مكانته العلميّة، وكونه ممثلاً وامتداداً لأهل البيت الأطهار(عليهم السلام) وبعدما خرج الرجل من مجلس الشهيد(قدس سره) عوض الشهيد(قدس سره) المبلغ الذي أعطاه إلى الرجل من ماله الخاصّ.

وقد تحقق الشهيد(قدس سره) فيما بعد من الاموال التي ورثها الرجل من والده، وهي مبالغ طائلة، ولكن تطاول بعض الناس على تلك الأموال جعل الرجل في حالة فقر.([3])


 


[1] - أضواء على دعاء كميل، تأليف الحجة السيّد عز الدين بحر العلوم ص 122 .

[2] - الذنوب الكبير، ج 2 ص 355 نقلاً عن اصول الكافي .

[3] - وعوداً لدعاء كميل فقد جاء في بعض مضامينه : اللهم اغفر لي الذنوب التي تُنزل النقم : عصيان الله، التطأوّل على الناس .

 

 

 

 

 

دعاء الفرج

اَللّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِهِ في هذِهِ السّاعَةِ وَفي كُلِّ ساعَةٍ ولِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَليلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً