الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد تقي الحسيني الجلالي (قدس سره)

 

 

الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة

 

 

 طريـق الشهـادة

رغم جميع الإجرآت التي اتّخذها النظام الفاسد ضدّ السيّد الشهيد(قدس سره)فإنه بقي كالجبل الشامخ، فأصبح النظام يفكّر بالتخلّص منه، وقد شعر بذلك بعض المقربين للشهيد(قدس سره) فطلب منه مغادرة العراق، لكنه أجابه(قدس سره)بالرفض، قائلاً: إنّ الذي يعيّن المسير هو المسؤوليّة لاغير.

لقد آثر الشهيد(قدس سره) دار الكرامة على دار السلامة، مقتدياً بجدّه سيّد الشهداء أبي عبد الله الإمام الحسين(عليه السلام) الذي لم يُصغ للاقتراحات التي وجّهت اليه من قبل الناصحين والمتناصحين، بل مضى قدماً وهو(عليه السلام) يقول : «والله لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً».

 

 صموده في المعتقل

للشهيد مواقف مشهودة مشرّفة في المعتقل، نقلها للتاريخ مجموعة ممن التقوا بالشهيد في سجون النظام وهم مجموعة من محافظات مختلفة تعرّفت عليهم في مخيمي الأرطاوية، ورفحاء، في السعودية بعد خروجنا من العراق أثر الانتفاضة الشعبانية المباركة .

فقد ذكر أحدهم وكان بجوار زنزانة الشهيد(قدس سره) في المعتقل التي يقابلها على الجانب الثاني الزنزانة التي اعتقل فيها الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيّد علاء الدين نجل الإمام الحكيم (قدس سرّهم) ذكر أنه لم تثبت أيّة قضيّة أو إدانة ضدّ الشهيد(قدس سره) وكان رجال الأمن يخرجون الشهيد(قدس سره) للتعذيب، ويعودون به بعد ساعة فاقد الوعي، ويردّد بعد إفاقته: دمى ورقبتي فداء لديني وعقيدتي. فإنه كان صلباً في مواقفه، ويؤكّد علينا ويوصينا بالصبر على التعذيب وعدم الانصياع لسياط وإرهاب الجلادين وتهديداتهم .

وقد تعرّض(قدس سره) لأنواع التعذيب وصنوفه وليس ذلك إلا أنهم كانوا يرون في وجوده خطراً عليهم، وأضاف أن المجرم مسلم هادي الجبوري رئيس محكمة الثورة وقتها، عند استدعاء الشهيد(قدس سره) في إحدى المرات خاطبه قائلاً: إنّ الخطأ الذي وقع فيه الحزب هو إبقاؤك حياً لحدّ الآن.

ويضيف الناقل: أن الشهيد(قدس سره) أخبرهم في إحدى ليالي الجمعة من شهر رمضان المبارك 1402 هـ أنّ الفرج يوم غد: فبتنا ليلتنا على أحرّ من الجمر للإفراج عن الشهيد(قدس سره) وظهر في اليوم الثاني أنهم أحضروا معتقلاً ممن كانوا مع الشهيد(قدس سره) وأجبروه على اتهام الشهيد(قدس سره) بأنه يتزعّم تنظيماً مناوئاً للنظام، ووعدوا الشاهد بالإفراج عنه إذا ما قام بهذه المهمة، أو الإعدام إذا لم يدل ر بشهادته ضدّ الشهيد(قدس سره) .

وبعد أن أدلى بشهادته المفروضة عليه، جاء إلى الشهيد(قدس سره) طالباً العفو عنه; لأنه لم يطق التعذيب، فسامحه الشهيد(قدس سره) وعفا عنه ودعا له بالمغفرة وخاطبه قائلاً: إنني سأُعدم سواء أدليت بشهادتك أم لا.

وفي صباح ذلك اليوم ـ الجمعة ـ خرج الشهيد(قدس سره) وهو يمشي بخطىً متّئدة وبعزيمة المؤمنين الذين يرون في إعدامهم السعادة الأبدية والفوز برضوان الله تعالى، خرج(قدس سره) رافع الرأس غير مكترث، وكنّا نتصوّر أنه(قدس سره)خرج من السجن وأُفرج عنه لكنّه ظهر في ما بعد أنه اقتيد إلى ساحة الإعدام .

وبعد إعدامه في شهر رمضان 1402 هـ 1982 م مثّل أزلام النظام بجسده الطاهر وكسروا جمجمته وشوّهوا معالم وجهه. ولم يكتفوا بما مارسوه معه من التعذيب حال حياته .

وأشار هذا المعتقل إلى أن الذي أدلى بشهاته ضدّ الشهيد(قدس سره) أعدم بعده وفي نفس اليوم.

 

 تسليم الجسد الطاهر

في اليوم الخامس أو السادس من شهر رمضان المبارك، وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ظهراً، جاء جلاوزة الطاغية العفلقي إلى دار الشهيد(قدس سره) في النجف الأشرف في حيّ الحنّانة، وطرقوا الباب بقوّة ففزعت العائلة وأقبل نجال الشهيد(قدس سره) السيد قاسم الجلالي بحذر وسأل عن هويّة الطارق؟

قال أحدهم : تهيّاؤوا غداً لأجل الذهاب إلى بغداد لاستلام جسد أبيكم، فتعالى من داخل دار الشهيد(قدس سره) صراح الأطفال والنساء، فعمد على أثر ذلك أزلام النظام إلى تهديدهم بحرق الدار .

وفي الصباح الباكر خرج السيّد عليّ الهادي واستأجر سيارة لنقلهم إلى الطبّ العدلي لاستلام الجثمان الطاهر وكان الجسد مشوّهاً من كثرة التعذيب والتنكيل الذي استمرّ تسعة أشهر تعرّض خلالها الشهيد(قدس سره)إلى أبشع أنواع التعذيب الجسدي والروحي، وكان آيةً الثبات والصمود كأجداده الطاهرين(عليه السلام)  مع ما كان يلاقيه من وحشية شرسة من قبل أزلام النظام الإلحادي، فكان يبثّ في المعتقلين روح العزيمة والصبر، ويذكّرهم بالأئمة الأطهار(عليهم السلام) وسيّد الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام) وما لاقوه من حكّام الجور. فكان بلسماً لجروحهم. وهناك روايات رائعة عن مواقفه المشرّفة في سجون بغداد سنذكرها بأقلام رواتها.

وهكذا واصل الشهيد الجلالي(قدس سره) جهاده ونضاله وإرشاده حتى في قعر السجون الحالكة. وفي أحد أيام الجمعة لبى نداء ربه الكريم، وعرجت روحه الطاهرة إلى جنان الخلد (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) ( ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً ) ([1]).

 

 دفن الجسـد الطـاهر

بعد استلام الجسد الطاهر طلب من العائلة نقله إلى وادي السلام في النجف الأشرف ليدفن هناك فوراً بدون إخبار أحد، ولازمهم جملة من الجلاوزة الذين جاءوا من بغداد للرقابة والتهديد، ولما وصلوا وادي السلام كان في انتظارهم عملاء آخرون .

اُدخل الجسد الطاهر إلى المغتسل بعد أن أمر جلاوزة النظام بإخراج جثث الموتى من المغتسل ؟؟ فتمّ تغسيل الجسد الطاهر بصعوبة بالغة كما أخبر بذلك المغسّل لما كان عليه من آثار التعذيب، وكان التغسيل بحضور جلاوزة النظام، ثم أحضروا النجل الأصغر للإمام الخوئي(قدس سره)وهو السيّد إبراهيم ( صهر الشهيد ) ليدخل إلى داخل المغتسل، ويتأكّد من أن الجثمان الطاهر هو للشهيد إذ أنه كان مشوهاً.

وصلى عليه الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيّد محمّد تقي الخوئي(قدس سره) مع عدد قليل من رجال العلم في النجف الأشرف، منهم الشهيد السيّد محسن الميلاني، والشهيد السيّد عبد مجيد الخوئي، وصهر الشهيد الجلالي الشهيد السيّد إبراهيم الخوئي، وأنجال الشهيد(قدس سره) .

وقد طلب السيّد محمّد تقي الخوئي بإلحاح من جلاوزة النظام بأن يسمحوا للجسد بزيارة المرقد الطاهر للإمام عليّ(عليه السلام) فرفضوا ذلك، فنقل الجسد إلى وادي السلام، وأودع الثرى هناك .

وكان لاستشهاده(قدس سره) أثر بالغ في النفوس خصوصاً أهل العلم وطلابه، وقد عمَّ الأوساط العلميّة باستشهاده جوٌ من الحزن والأسى والرعب .

وباستشهاده(قدس سره) فقدت الأمة الإسلامية، والحوزة العلميّة علماً من أعلامها، ورمزاً من رموزها، وطوداً شامخاً من رجالها، ومجاهداً صلباً في ذات الله، ومرشداً هادياً إلى سبيل الحقّ والفضيلة .

وخسرت مدينة ناحية القاسم(عليه السلام) أباً رحيماً لم يتوان عن تقديم الخدمات الجليلة لهم، وكان معهم في أفراحهم وأحزانهم، وغابت تلك الطلعة البهية وذلك الوجه المنير، غاب ذلك المحيّا الطلق الذي لم يؤطر حياته لفئة معينة، غاب من كان يعشق الشهادة، ويطلب من الذاهبين لأداء فريضة الحج عند استلام الحجر وزيارة قبر الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوا له بالشهادة على يدّ شرّ خلقه .

ولأنها دعوة خالصة من أعماق قلب لم يشبْها الرياء وحبّ الدنيا، دعوة من روح لم تستملها وعود الطغاة ولاوعيدهم ولا إغراآتهم، لذا استجابت لربها ولبّت نداءه في أيام الله الشريفة .

لقد قدّر الله تعالى لهذا العالم المجاهد أن يبقى خالداً بحياته المشرفة، تلك الحياة التي كانت سلسلة طويلة من العلم والعمل والإرشاد والتضحية. تلك الحياة الكريمة التي بدأها بالسعي، وأدامها بالجهاد، وختمها بالشهادة . فرحمك الله يا أبا الهادي; فإن جسمك النحيف الضعيف وجسدك المرهق المتعب ما كان ليتحمل هذه الروح العالية الكبيرة العظيمة، فأجبت  دعوة ربّك لتتشرف بمحضر أجدادك في جنة الخلد.  والسلام عليك أيّها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله والأئمة الأطهار(عليهم السلام) يوم ولدتَ تقياً، ويوم استشهدتَ مجاهداً في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، ويوم تبعثُ حيّاً لتقف إلى جنب جدّك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّه أمير المؤمنين(عليه السلام) وسبطه الشهيد وباقي الأئمة الأطهار(عليه السلام)وهنالك يخسر المبطلون(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين).

 

[1] - النساء / 69 .

 

 

 

 

دعاء الفرج

اَللّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِهِ في هذِهِ السّاعَةِ وَفي كُلِّ ساعَةٍ ولِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَليلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً