كلمة آية الله العلامة السيّد عباس الحسيني الكاشاني   قدس سره

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد الحمد لله والصلاة على رسول الله والصفوة المنتجبة من آله المعصومين آل الله .
قد أمرني بعض من يلزم عليّ طاعة أمره من الأجلاء الأعاظم، والعلماء الأفاضل (أدام الله أيّامه) من إخواني الأعزاء الأشاوس الأفذاذ المفاخر، أن أذكر شذرات يسيرة ممّا أعلم من حياة أخي في الله ووليي فيه عزّ وجلّ، العيلم العلم العلاّمة، النحرير الغطريف، الفهّامة، المجاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه ونشاطه ومواقفه المتواصلة، الشهيد المقدّس سماحة السيّد محمّد تقي الجلالي رفع الله في الخلد مقامه وأسكنه فسيح جنانه وحشره مع مواليه أجداده الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين محمّد وآله الطاهرين، فلبّيتُ الطلب وامتثلتُ الأمر مع تراكم الهموم والآلام، وتهاجم الأمراض والأسقام، حتى أعياني انحراف الصحّة بحيث أصبحتُ جليس الدار وحليف الفراش، نسأل المولى أن يمنّ علينا بصحة وعافية، ويجعل خواتيم أعمالنا بخير وسعادة، بل بكلّ ما يرضيه سبحانه وتعالى وما ذلك عليه بعزير.
كان أوّل لقائي بالسيّد الشهيد السعيد الحجّة الراحل أعلى الله درجته عام 1363 هـ وكنّا في مقتبل العمر وأوائل الشباب نحضر في كربلاء دروس المقدّمات معاً حوالي خمس سنوات عند بعض الأفاضل، وقد وجدته ذا ذهن مدهش ولياقة عجيبة، ثمّ افترقنا مدّة غير طويلة واجتمعنا ثانياً بمحضر العلاّمة الحجّة المقدّس الشهير الشيخ جعفر الرشتي(قدس سره) يشاركنا في البحث والدرس ثلةٌ ممّن هم اليوم من الأساتيذ المشهورين والعلماء العاملين لدى الأستاذ المذكور، فقرأنا الحاشية والشمسيّة (في المنطق) والسيوطي والمغني (في النحو) وكذا المطوّل في المعاني والبيان، وشيئاً من القوانين في الأصول، وفي نفس الوقت كنت أنا والسيّد الشهيد(قدس سره) وشخص آخر هو من كبار علماء شيراز حالياً نقرأ خلاصة الحساب عند الحجّة الآية السيّد محمّد طاهر البحراني(قدس سره) وطال الحال بنا مدّة سنوات، ثمّ حضرنا معاً وبعض آخر وتتلمذنا عند الفقيه الكبير آية الله الشيخ محمّد الخطيب(قدس سره) صبحاً كتاب المكاسب، وعصراً عند المجتهد الكبير آية الله السيّد حسن حاج آقا مير القزويني كتاب رياض المسائل، وشيئاً من الكفاية في مدرسة البقعة، وأيضاً درسنا معاً عند هذا الفقيه الهمام كتاب « مصباح الفقيه » للفقيه المتبحر آية الله العظمى الحاج آقا رضا الهمداني (قدس سره القدوسي).
وبعد مدّة هاجر سيّدنا (التقيّ) الشهيد(قدس سره) إلى النجف الأشرف وحضر على بعض أساتذة الجامعة العلميّة الكبرى في النجف الأشرف، وقد كرّس جهوده للبحث والتنقيب مكبّاً مُجدّاً على التحصيل والتحقيق، حتى فرغ من مدّة غير طويلة من دروس السطوح لما كان يتمتع به من النبوغ المدهش واللياقة العجيبة، وقد حضر وقتئذ دروس خارج الفقه والأصول لكبار أعلام الطائفة وزعماء الحوزة كسيّد فقهاء عصره آية الله العظمى الإمام السيّد المحسن الطباطبائي الحكيم(قدس سره) واستاذ الفقهاء والمجتهدين ونابغة القرن العشرين سيّد الطائفة الإمام الأكبر السيّد أبي القاسم الموسوي الخوئي (أنار الله برهانه) ومن حسن الحظّ أنني قد وفقتُ لحضور درس هذين العظيمين النابغتين في نفس الأيّام مع السيّد الشهيد(قدس سره). 
وبالجملة قد تقدّم الشهيد تقدّماً باهراً في دروسه لدى هذين الإمامين العظيمين،كتب كثيراً من أبحاثهما بأسلوب فني رائع يغبطه عليه البعض من زملائه .
وكان مورد ثقة هذين المرجعين العظيمين واعتمادهما والمقرّب لديهما للياقته واستعداده وقابليته، وقد أرسله الإمام الحكيم(قدس سره) ممثلاً عنه إلى ناحية القاسم(عليه السلام) من ضواحي الحلّة الفيحاء، فقام السيّد الشهيد الراحل(قدس سره) بعلمه الراسخ ونشاطه الباذخ وقابليته وجهوده وجهاده المتواصل هناك بتأسيس حوزة علميّة، واجتمع لديه لفيف من الطلاب، ثم إن السيّد الشهيد(قدس سره) قام بجهود كبيرة كإرسال دعاة ومبشرين ومنذرين لأماكن مختلفة لإرشاد المؤمنين وبثّ الفكر الإسلامي والدعوة الدينية في سبيل الله تعالى، ونشر الأحكام وإرشاد العوام وتربية الطلبة الكرام. 
ومن فضل الباري تعالى أن وفق الله السيّد الشهيد(قدس سره) لجميع أمنياته، وقد قام رغم كثرة أعماله بتربية نخبة من المؤمنين، وتدريس جمع من الطلبة المجدّين، وقام أيضاً بتجديد وتعمير الروضة القاسِميّة المقدسة، بشكل بديع وطراز لطيف ظريف كما يشاهدها زائرها .
وقد أنعم الله تعالى على هذا الشهيد المقدام بتوفيقات متنوعة: أن لمع نجمه من بيت عريق، عرف بالعزّ والمجد، والجلالة والنبالة له مكانة مرموقة في الأوساط العلميّة، نسب باذخ وضاح أصله ثابت وفرعه في السماء. فهو سبط الإمام الأكبر والمرجع نابغة العلماء والمجتهدين وعلامة الفقهاء والمحققين نادرة الأيّام ومفخرة الزمان سماحة آية الله العظمى السيّد ميرزا هادي الخراساني (عطر الله مرقده ومثواه وأنار الله ثراه) ولي مزيد الشرف والاعتزاز أن منحني وشرّفني بإجازة عسجديّة أتبرّك بها .
وهو حفيد علم الفضل والهدى ومنار العلم والتقى الحجة الباهرة والآية الزاهرة السيّد علي الجلالي الكشميري (طاب ثراه) من العلماء الأعلام في الحائر الطاهر الفاخر .
والشهيد أكبر أنجال سيدنا وأستاذنا عماد العلماء الأجلاء، وأستاذ الفضلاء النبلاء، العيلم العلم النحرير سماحة آية الله السيد المحسن الجلالي من كبار علماء كربلاء المقدسة .
ولسيدّنا الشهيد إخوة أماجد علماء نبلاء وأفاضل أجلاّء كالعلامتين الحجّتين مفخرتي اهل التحقيق وقطبي رحى التدقيق سماحة سيّدنا العلامة الحسين وسماحة سيّدنا الحجّة محمد الرضا وسائر إخوتهما الأعلام الأشاوس داموا للإسلام ذخّراً وملاذاً.
ولسيّدنا الشهيد أيضاً أنجال أعاظم وفضلاء أكارم كالشبلين العلمين الحجتين سماحة السيّد الهادي وسماحة السيّد القاسم وسائر إخوتهما المفاخر الأماجد والأشبال من تلكم الأسود رفع الله بالإخوة الأعاظم، والأنجال الأفاخر كلمة الإسلام وحوزة المسلمين .
ومن نعم الباري تعالى على هذا الشهيد المقدام مؤلفاته القيّمة وآثاره الممتعة، وغير ذلك من الخدمات الملموسة المشهودة .
ولعلّي لاأغالي لو قلت: إنّ شهيدنا الجلالي (أنار الله برهانه) كان عالماً عيلماً، وعلاّمة بحّاثة، وورعاً تقيّاً، ونيقداً مجاهداً، لاتأخذه في الله لومة لائم منذ نعومة أظفاره حتى لقائه لربّه، ولجهاده المشرّف وجهوده المتواصلة أقدم طاغوت العراق على إعدامه ظلماً وعدواناً، ذلك الطاغية الذي بيّض وجه الطواغيت، وسوّد صحائف التاريخ بجرائمه البشعة المخزية القاسية، مجسمة الرجس والعار، والخيانة والغدر، والظلم والجور، عليه وعلى حزبه حزب البعث المجرم لعنات الملك الجبّار.
فاستشهد التقيّ ملتحقاً بالرفيق الأعلى آمناً مطمئنّاً، راضياً مرضيّاً، وقد سكن باستشهاده أعلى غرف الجنان بجوار أجداده المعصومين الغرّ الميامين عليهم صلوات الملك المنّان . وقد خسرت الأمة الإسلامية بشهادته علاّمة علماً (تقياً) ومجاهداً نيقداً، نقياً، وعالماً عيلماً، ألمعيّاً .
فسلام عليه يوم وُلد ويوم اُستشهد ويوم يُبعث حيّاً.
وختاماً قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) صدق الله العليّ العظيم .


 24 محرم الحرام 1418 هـ.
الراجي 
العباس الحسيني الكاشاني 
عفي عنه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

aljalalim@yahoo.com