الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد تقي الحسيني الجلالي (قدس سره)

 

بقلم العلامة المحقّق السيّد أحمد الحسيني الإشكوري

الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي رحمه الله
في سنة 1380 هـ أو السنة التي تليها، تعرّفت على شاب طلق المحيا تبدو على قسمات وجهه آثار الذكاء والفطنة، يتحلّى بحسن الخلق والحيوية، وعلى ثغره بسمة خفيفة ظريفة، له قوّة التصرّف في الشؤون الاجتماعية، مطبوع على التبسط والأريحية في مجالسته للإخوان والأصدقاء، أنيق بعض الأناقة في ملبسه وأثاث حجرته، متواضع لايترفع على الأخلاء والمعاشرين له، ولهذه الأوصاف كان محبّباً إلى من يعرفه ويجالسه، لايملّه جليسه بل يطلب المزيد من أحاديثه الشيّقة.
عرفته في مناسبة غير مقصودة، وتوطدت العلاقات بيني وبينه في أيّام معدودة، وأصبحنا صديقين لايخفي كلّ واحد منّا مداخل نفسه عن الآخر، وبعد مضيّ فترة قصيرة كان تبادل الودّ بيننا كأننا خليلان مضى على خلتهما سنين طويلة .

كانت تعجبني منه صفات نفسيّة عالية استكشفتها فيه منذ أوائل معرفتي به، قوّة العزيمة فيما يقدم عليه، معرفته التامّة بمداخل الأمور، الصمود أمام المشاكل المعترضة في طريقه، حدّة نظره في استكناه الناس، عبقريته في احتكاكه بمختلف الطبقات وعوام الناس قابليّات ممتازة كامنة فيه تنتظر فرصة الظهور والبروز.
ذلك هو شهيدنا المأسوف عليه السيّد محمّد تقي الجلالي .
أوّل شيء ملفت للنظر في سلوك السيّد الجلالي ـ حينما كان طالباً في الحوزة ـ دأبه على التحصيل وجِدّه في طلب العلم وبذل قصارى جهده في الدراسة والبحث .
لا يتأخّر عن موعد الدرس والبحث والتدريس، ولايشتغل بالأمور الصارفة عن واجباته من المطالعة وكتابة الوظائف، ولايتكاسل عن التحقيق فيما يلزم تحقيقه للتهيؤ لاستماع محاضرات أساتذته أو لتدريس تلامذته الذين هم في مستوى دون مستواه العلمي.
من عادة حوزاتنا العلميّة أن يدرّس كلّ طالب ما قد درسه من الكتب في مستويات سابقة، وكثيراً ما يصادف أن يوهم تلامذته أنه متقنٌ له مجيدٌ في فهمه، وهذا يسبّب إضلال التلاميذ وعدم تنشئتهم نشأة علمية صالحة تؤهّلهم لقطع المراحل العالية كما ينبغي، وبه يصبح التلميذ ضعيفاً في فهمه الدراسي، ولكن الشهيد لم يسلك هذا المسلك بل كان يسعى لإتقان الدرس لدى أساتذته، ثم يجيد تدريس ما قرأ على تلامذته.

ومن عادة الطلاب المجدين أيضاً أن يطالعوا ليلاً الدروس التي سيحضرون فيها لدى الأستاذ صباح غد، وهذه عادة جيدة تعين على تهيئة الذهن للاستيعاب الأكثر لتلك المادة عند إلقاء المحاضرة.

وهذا ما كان السيّد الجلالي يلتزم به في كلّ دروسه، فكان أساتذته يصفونه بالتفوّق لما يلمسون فيه من حضور الذهن نتيجة لهذا الالتزام.
ومن دلائل نشاطه في كسب العلم مؤلّفاته التي جاوزت الخمسين رسالة وكتاباً، بالرغم من تعدّد واجباته الاجتماعية وخاصة أيام إقامته في قرية القاسم وقلّة سنيّ حياته.
والدأب في التحصيل والدراسة لم يمنعه من المشاركة ـ أوقات التعطيل ـ في محافل الأصدقاء والحضور في مجالسهم المعقودة في المناسبات الدينية والإخوانية وغيرها، فإن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الاستراحة البدنية والفكرية حتى يتمكن من الاستمرار في العمل الجادّ، والبدن إذا كلَّ والفكر إذا ملّ ولم يستوفيا نصيبهما من الراحة والاستجمام فسوف يكون ذلك معوّقاً عن قطع أشواط العلم وقاطعاً عن طلبه، ولكنّ أخانا كان يستفيد من هذه المجالس بما يثيره من أحاديث مفيدة علمياً أو اجتماعياً أو أدبياً، ويحاول أن يخلط الجدّ بالمزاح ويستخرج منه ما يزيد في ثقافته أو يعينه على تحقيق أهدافه .
كان كثير الزيارة لي في ساعات الفراغ، يأتي وبصحبته بعض من يأنس به من أترابه، ونمضي سويعات في مختلف الأحاديث التي لايجمعها جامع إلا الأنس وشرح الصدر ورفع عناء التحصيل وتعب الدراسة، إلا أنه ـ بالرغم من شدّة الصلات الودية ورفع الحشمة بيننا ـ لم نكن نتجاوز حدود الآداب ولم ينفض مجلسنا إلا بفوائد اكتسبناها من خبرات بعضنا البعض .
على يمين الذاهب من الديوانية إلى الحلة قريتان تضمّان رفات سيّدين جليلين من أولاد الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) هما: الحمزة والقاسم، وتعرف القريتان باسم هذين السيّدين «الحمزة» و «القاسم» وكان المرشد الديني في القاسم(عليه السلام) شيخاً في منتهى التقوى والزهد والصلاح والسداد، قد قنع من دنياه بأن يقيم في النجف ستة أشهر، ولكي يوفّر ما يتبلّغ به من المعيشة البسيطة جداً أيام إقامته في القاسم(عليه السلام) بقيّة السنة، وذلك بغية إرشاد الناس وتعليمهم معالم الدين الحنيف .
كان هذا الشيخ الورع يكتفي في القرية بإقامة صلاة الجماعة، وتعليم المسائل الشرعية، وإجراء العقد والطلاق وما أشبهها، وبقي على عمله الديني المحدود إلى أن اختار الله تعالى له الدار الآخرة فذهب إلى ربه نقي الجيب خفيف الميزان .
وكان المرجع الديني سماحة الإمام السيّد محسن الطباطبائي الحكيم ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ يدعم العلماء القاطنين في المدن والقرى ويبذل جهده في تقوية مركزهم حتّى لو كانت الفائدة من وجودهم قليلة فإذا توفّي أحدهم يختار من يعرف فيه الجدّ والنشاط والعقل ليحلّ محلّ ذلك العالم، ويوفر له المعدات ويؤيده بشتى الأساليب لكي يقوم بواجبه الديني على ما يرام، وبهذا كان أكثر وكلاء السيّد الحكيم نشطين في مناطق عملهم، يوجدون بها حركة قويّة وأثراً بارزاً في نفوس الشيوخ والشباب .
ارتأى الإمام الحكيم أن يحلّ سيدنا التقي محلّ شيخنا الزاهد الراحل فأمره بالذهاب إلى القاسم، والإقامة بها لتولّي شؤون الأهالي الدينية، وكان عند أمر الإمام، فانتقل بعائلته إلى القاسم، وبعد مدّة يسيرة رأينا منه مشاريع حيّة مفيدة بالمنطقة لم يكن بحسبان أحد أن تتمّ في تلك المدّة القصيرة .
دعاني لزيارة السيّد القاسم والتجوّل في المنطقة، وبعد قبول الدعوة قال : لابدّ أن تأتي في سيّارة (تورن) ذات خمسة ركاب، لا في سيارة (مرسيدس ) ذات ثمانية عشر راكباً.
فقلت له: ولكن أجور التورن مرتفعة، يشقّ عليّ دفعها.
فقال : إنني أحبّ أن يأتي أصدقائي إلى المنطقة بمظاهر الغنى والعزّ لابمظاهر الفقر والذلّ، وإذا رآهم الأهالي أغنياء متعفّفين نظروا إلى رجال العلم والدين بنظر الاحترام والإكبار، وبذلك نتمكّن من توجيههم إلى الأعمال الخيرية ودفعهم إلى البذل لها بسخاء.
ذهبت مع ثلاثة من الأصدقاء بالشكل الذي أراد السيّد، وكانت الحفاوة بنا منه ومن الناس بالغة والتكريم باهراً، ورأينا مجلسه حافلاً بوجوه أهل البلد وشخصياتهم، وصلاته في صحن البقعة عامرة بالصفوف الطويلة، وأحاديثه تدور حول المشاريع الدينية التي ينوي إنجازها في المستقبل القريب، ويعدّ منها مدرسة لطلاب العلم ومكتبة للشباب .
إنّ إثارة الناس لتحقيق الأهداف التي يطمح لها العاملون ـ إن خيراً وإن شراً ـ تحتاج إلى معدّات كثيرة يجب توفّرها لكي تنفجر الطاقات الكامنة وتدفع الجمهور إلى الجهة المقصودة، ولعلّ أهم تلك المعدّات هي معرفة علمي النفس والاجتماع ليس نظرياً بحدود ما في الكتب، بل عملياً بواسطة المواهب التي أودعها الله تعالى في بعض الناس، ويضاف إلى ذلك نكران الذات، وانتهاز الفرص المناسبة، وتمهيد الأسباب للاقتحام فيما يُرام. هذه من أهم ما يعين على تحقيق الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها المصلحون والمفسدون على السواء.
كم رأينا من معاصرينا من يحدّثنا أن فلاناً العظيم كان معه في المدرسة أو هو من مدينته، أو كان يسكن في حارته، أو هو من ذوي مهنته، ولكنه وصل إلى ما وصل وبقي هذا حيث هو، وخانه الزمان .
لقد نسي هذا المغفل أنّ الزمان لم يخنه، بل المواهب الكامنة في ذلك العظيم هي التي أوصلته إلى ما وصل، وعدم توفّرها في محدّثنا هو العامل المهمّ الذي أوقفه في أوّل الطريق .
بدأ السيّد الجلالي مشاريعه بترميم وتوسعة وتزيين مرقد السيّد الجليل القاسم بن الإمام الكاظم(عليه السلام) وفي مجلس حاشد خطب الناس وذكر في حديثه الموقع الممتاز الذي تحتله القرية في نفوس المؤمنين، حيث يأتون لزيارة هذا المرقد الطاهر، ولولاه لكانت القرية كبقية القرى المجاورة التي لااعتبار ديني خاصّ لها، وعليه فيجب أن يكون المرقد في حالة جيّدة تسترعي اهتمام الزائرين، ويزيد بذلك احترام المنطقة الذي معناه احترام الأهالي وتفوّقهم على أهالي سائر القرى المجاورة، ثم ذكر أنّ هذا المشروع يحتاج إلى مساهمة الخيّرين المحسنين، وقال: إنّ أوّل من يتبرّع لإنجازه هو زوجته، فأخرج من جيبه قطعة ذهبية من حليّ زوجته فقدّمها هدية منها إلى السيّد الكريم صاحب القبر، ولم ينزل عن المنبر إلاّ وقد انهالت عليه التبرّعات الكثيرة من الرجال والنساء فكانت تلك أوّل خطوة في الإعمار وتذهيب القبة وبقية المشروع .
فلو كان رجالنا كلّهم بهذا المستوى العقلي والحنكة والحكمة في تصرّفاتهم ومشاريعهم لكنّا في حالة ممتازة، أحسن مما نحن عليه الآن، ولكن الله تعالى قدّر لكلّ واحد من خلقه حصةً من العقل محدودة، ورزقه من المواهب قدراً معلوماً لا يتعدّاهما .
انتشرت الشيوعيّة في العراق بعد ثورة 14 تموز، انتشاراً واسعاً بين الشباب والسذّج من الشعب العراقي، وأصبح لها أنصار في أكثر المدن والقرى والأرياف، وجعلوا يبثّون لها دعايات ويجمّعون لها الجموع ويثيرون لها مظاهرات ـ يسمونها شعبيّة ـ بأدنى مناسبة تاريخية أو اجتماعية قد اصطنعوها لجلب الغوغاء والمغفلين.
لم تقنع الشيوعية بهذا ـ كما لم تقنع في تاريخها الثوري بمثل هذا في أي قطر من أقطار العالم ـ بل أخذت تهجم على الدين بشتى الأساليب وتزيّف المبادىء الدينية علانية، وتختلق أنواع الأذى لمن لم يكن في ركبها، وبلغت الغاية في إهانة الدين وإهدار كرامة المتدينين بالقتل والسجن والتشريد، والاستيلاء على الأموال، وهتك الأعراض، وكان لابدّ من العمل الجادّ لصدّ هذا التيّار الكافر، والحدّ من عُدوان هذه الطغمة الفاسدة المفسدة، من هنا تصدّى زعماء الدين في النجف الأشرف للفتوى بكفر الشيوعية، وإعلان أنّها مبدأٌ هدّامٌ لايجوز الانتماء إليه، ونجحت الحركة باندحار هذا الكابوس المخيف وانقشاعه من سماء العراق.
كان لفتوى العلماء أثرٌ ظاهرٌ في كشف حقيقة الشيوعية وموقفها المعادي للإسلام، ولكن كان أيضاً من اللازم على الشخصيات العلميّة القاطنة في مختلف المناطق أن تعمل في مناطقهالتفهيم الناس ما يقصده المراجع من تكفير هذه الشرذمة الخارجة على الدين، وكونها وبالاً على المقدسات الإسلامية، ولماذا لايجوز إقرارهم على آرائهم وأعمالهم ؟
جاءني السيّد الجلالي على عجل في زيارة خاطفة، وعرّفني أن أحد أوكار الشيوعية ذا الأثر الكبير على الحلّة ونواحيها، يوجد في قرية «الحمزة »، وله نشاط واسع جداً في الإضلال وزلزلة عقائد الشباب والمزارعين في الأرياف خاصة، والواجب الديني يحتّم علينا أن نسعى لهدم هذا الوكر وإزالته من تلك الناحية، ويعوزني الصلة الوثيقة بالمنطقة; إذ لم يسبق لي التعرّف على عالمها الشيخ حمزة الذي سيطر عليه الشيوعيون لبساطته وعدم بصيرته بهذه الشؤون .
قلتُ له : إنّ الموضوع هامّ، فكيف العمل؟
قال : لا عليك، إنني اُرتّب المقدّمات لدعوتك إلى «الحمزة » من قبل الأهالي في يوم قريب، وتكون الدعوة وسيلة للنفوذ في المنطقة ثمّ هداية الناس وإرشادهم إلى الصحيح من العقيدة.
بعد أقلّ من أسبوع جاء وفدٌ من وجهاء «الحمزة» يدعونني لزيارة ناحيتهم، ولبّيتُ الطلب على أن تكون الزيارة في يوم الجمعة الآتي.
ذهبتُ مع جمع من الأصدقاء في سيّارتين، وفي المفرق (مفرق طريق القريتين الحمزة والقاسم) استقبلنا السيّد الجلالي والشيخ حمزة في رتل من السيّارات يُقِلُّ جماعة من ذوي المكانة والجاه من القريتين، وبعد تبادل السلام والتحيّة اتّجهنا إلى «الحمزة » تتقدّم سياراتنا على سيارات المستقبلين، ودخلنا الشارع الممتدّ في وسط القرية بجلال وحفاوة جالبة لانتباه الأهالي.
كان الاتجاه إلى حرم السيّد الكريم الحمزة بن الإمام الكاظم(عليه السلام) وعند الانتهاء من الزيارة والدعاء لدى القبر المبارك، دُعينا لتناول الشاي في إحدى حجرات الصحن، وقد كانوا أعدّوها لاستراحتنا وسلام الأهالي علينا، وتحدّثت إلى الناس حول الدين الإسلامي وماله من الخصائص الإنسانية والميزات العقائدية، وعن المسلمين والواجبات الدينية الملقاة على عواتقهم، وعن أثر الدين في تاريخه الطويل على الشعوب بمختلف أدوارها .
والأحاديث كلّها كانت عامة لم أتطرق فيها إلى فئة خاصة أو جماعة معينة، كما لم أتعرّض للشيوعية التي كانت هدفنا الأقصى .
بقينا في القرية إلى الليل حيث مدّت الأسمطة العربيّة الكريمة في بيت الشيخ حمزة، وبعد تناول طعام العشاء ودّعنا الحاضرين وعدنا إلى النجف.
لم أعرف كيف أثار السيّد الجلالي الناس لدعوتنا واستقبالنا والحفاوة بنا تلك الحفاوة الممتازة، ولم أعرف أسلوبه في مواجهته للشيوعيين بتلك المنطقة بالذات .
ولكن عرفتُ أنّه وفّق للنفوذ في المنطقة كما أراد، وكان له أثرٌ فعّالٌ في ضعضعة أركان الشيوعية فيها، وإزالة أثرهم منها، وبه هدي كثيرٌ من المنخدعين، وكتب لأساليبه الحكيمة الراشدة النجاح فيما أراد.
 

 

 

 

 

 

 

 

aljalalim@yahoo.com