فقيد الإنسانية آية الله السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره)


بقلم: أبي لقمان
المغفور له سماحة الشيخ محمّد رضا آل صادق رحمه الله
 

الحمد لله حقّ حمده والصلاة والسلام على محمّد رسوله وعبده وعلى آله الهداة من بعده واللعن المؤبّد على عدوهم ومثير نار حقده.
أما بعد فإنه يعزُّ عليّ - والله - أن أتحدّث عن مثل الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي الجلالي رضي الله عنه وأرضاه وجعل الفردوس الأعلى منزله ومأواه ومستقره ومثواه .
هذا الرجل الذي خسرت بفقده الأمة الإسلامية إنساناً مجاهداً وأنموذجاً لكلّ مخلص بَرّ .
وإذا صحّ أن يطلق على من يهتمّ بأمور المسلمين ويعمل لله في السرّ والعلن ويتفقّد أحوال إخوانه المؤمنين، لالحاجة منه إليهم، بل تقرّباً لله وتعظيماً لشعائره، إذا صحّ أن يطلق على مثل هذا الإنسان بالجندي المجهول، فإنه هو الشهيد الجلالي تغمده الله برحمته ورضوانه .
فقد عرفته منذ سنوات دائباً على العمل في سبيل الله مكبّاً على الدرس والتدريس، وكنت أراه يحضر دروس الحوزة العلميّة خارجاً في النجف صباحاً، كما رأيته يقرّر أبحاث السيّد الخوئي ويمضي ليدرّس المكاسب والكفاية في جامعة النجف عصراً خلال أيام الدراسة، لايعرف النصب والتعب، وكان يستغلّ العطل الحوزوية وأيّام الخميس والجمعة ليمضي إلى مدينة القاسم(عليه السلام) من توابع الحلة في العراق ليؤدي دوراً آخر، حيث كان وكيلاً للمرجعية منذ زمن السيّد الحكيم(قدس سره) حتى مرجعية السيّد الخوئي ـ دام ظله ـ وكان قبل ذلك قد سكن القاسم عدّة سنوات .
وكان ذا همّة عالية تنمّ عن روح نشطة حيث أسّس في القاسم حوزة علمية، لها منهجها ودروسها وأساتذتها وطلابها، وقام بقسط وافر من تقريب علوم الحوزة الدينية إلى أذهان اليافعين بنشر كتب مبسّطة، كما طبع كتباً تعادل ما يقدّمه طلاب الجامعات لنيل درجة الماجستير والدكتوراه لا أقول ذلك إدّعاء أو مراءً، فبالمقارنة والموازنة ما بين كتب الشهيد الجلالي وكثير من كتب هؤلاء الجامعيين ترجّح كفّه (كتب الجلالي) على سواها، وهذه ميزة رجال العلم وأبناء الحوزة العلميّة الدينية.
وآثاره الخطيّة والمنشورة في مختلف الفنون تربو على خمسين كتاباً.
وكان مجاهراً بالحقّ حتى لو كلّفه حياته ونفسه الطيبة، ولعلّ استشهاده على أيدي الزمرة المجرمة من العفالقة الأنذال دليل على صحة مانقول.
وأرى أن أذكر هذه القصّة لورود مناسبتها في هذا المجال، والله المطلع على كل حال: قال لي أحد الأسرى العراقيين لدى زيارتي إيّاه في معسكر (برندك) عند معرض حديثه عن المرجعية الدينية في النجف، إنه كان يأتي من الشطرة إلى السيّد الخوئي ليصفّي حساب سنته، وكان قد جعل يوماً معيّناً من السنة فكان يأتي النجف في الوقت الذي حدده رأساً لسنته، وكان موظّفاً في الدولة فكان السيّد يحيله على المرحوم السيّد الجلالي فيصفّي حسابه ويستخرج خمسه، ثم يقدّم له هدية رمزية مكافأة، ثمّ يهمس بإذنه قائلاً: «إيّاك أن تتعاطف مع البعثيين، فإن مصيرك إلى النار إن فعلت ذلك». يقول هذاالأسير: فكنتُ أعجبُ من كلامه كيف لايخشى عواقب ما يقول، وما يدريه لعلّي أتظاهرُ بالتديّن أمامه، مع أن الأسير قال: إنني أُخبرته بأني نصيرٌ في الحزب، وإنّ ظروفي اضطرّتني إلى ذلك.
ودرجة «نصير» لاينالها إلاّ من كانت له خدمة في الحزب عدّة سنوات.
هذا مثلٌ واحدٌ لأمثلة كثيرة لامجال هنا لسردها .
فالسلام عليك يا شهيدَ العلم، ويا شهيدَ الجهاد، ويا شهيدَ الفداء، يومَ وُلدت بأرض الجهاد، ويوم اُستشهدت بأرض الشهادة، ويوم تُبعث حيّاً في دار الخلود .

الصفحة الرئيسية