كلـمـات حـق


ابو علي رضا الحسيني ـ قم المقدسة


بسم ربّ الشهداء والصدّيقين
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون )


الشهادة صرخة الإنسانية، ودعوة السماء، وإمضاء حركة الأنبياء(عليه السلام)ونورٌ وضّاء، وشعلة وهّاجة، وحياة طيّبة، ووسام ربّاني خالد، ومنهاج قويم، ودرع حصين، وجُنّةٌ واقية، وجَنة باقية، وقد كرّم الله تعالى بها خاصة أوليائه، والمتّقين من عباده، فلاينالها إلاّ ذو حظٍّ عظيم، وممن حباه الله هذا الوسام العظيم، ووفّقه لنيل هذا الشرف الخالد، سيّدنا العالم العامل الحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره) الذي قدّم دمه الطاهر دفاعاً عن الدين، ونفسه الزكية تثبيتاً للحقّ، واعلاءً لكلمة الله جلّ جلاله.
ولا غروَ فقد وُلد هذا الرجل الكبير ونشأ في أرض الشهادة كربلاء، واستلهم منها ما للشهادة من معان وأهداف نبيلة، نعم لقد ترعرع شهيدنا الراحل في أرض الطفّ، تلك الأرض الطاهرة التي سُفكت عليها دماءٌ زاكيات، ونشأ في تلك البيئة التي ملؤها روح الشهادة والتضحية والفداء .
فتلقى علوم الدين فيها، ثم اتّجه إلى مدينة النجف الأشرف باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلها بتلك الروح الحسينية الطاهرة، وحضر دروس أساطين الفكر والعلم، واشتغل بالتدريس والبحث والتأليف، فكان مثالاً حيّاً للعالم العامل الذي أعطى العلم حقه، وعمل بما أملاه عليه علمه، وقام بجميع ما اقتضاه الواجب الشرعي .
فلم يرضَ من نفسه الانطواء والانزواء والانشغال بما يهمّه فحسب، بل كان يعيش هموم الآخرين ويعيش آلامهم، ويضطلع بخطوبهم، ويحمل أعباءَهم، ويرشدهم إلى سواء السبيل .
وكان في نفس الوقت الذي يسعى لرفع مستواهم المعيشي يسعى لرفع مستواهم الأخلاقي، والعقائدي، والتربوي، وكما قال الشيخ الإيرواني في قصيدة يرثيه بها:

خدم الشريعة فاستضاء بنورها *** قد عاش فينا سيداً ومفيداً
وأراد للإسلام عزّاً شامخاً *** لا أن يكون المسلمون عبيدا
كان الشهيد(قدس سره) يمتلك شخصية فذّة متأطّرة بأبعاد إلهية سامية، ويتحلى بمهابة نادرة مجسداً معنى العالم الرباني .
وما تزال ذاكرتي ترجعني إلى سنيّ ما بين العاشرة والخامسة عشرة، وتوقفني على تلك اللحظات التي كنت أتشرّف فيها بلقائه سواء في النجف الأشرف أو في مدينة القاسم(عليه السلام) وما تزال مخيلتي ملؤها إشراقات تلك الطلعة البهية، والشخصية الخالدة، والابتسامة الأبوية والحنان الكبير الذي كان يواجه به جميع من يستقبله .
كان(قدس سره) ذا هيبة ووقار، مشرق الوجه، طلق المحيّا، مربوع القامة، كثّ اللحية، وقد شاع في العارضين منها شيب السنة الخامسة والأربعين، في وسط جبينه ثفنتان ظاهرتان من أثر السجود .
كان(قدس سره) رقيق القلب، مرهف الشعور، يهتاج لأدنى باعث، شديد الرضا وسريع الغضب في ذات الله، لايخرجه غضبه ورضاه عن الحقّ، ولاتأخذه في الله لومة لائم أو عذل عاذل .
كان(قدس سره) ورعاً عن محارم الله، محتاطاً في الشبهات كلّ الاحتياط في جميع اُموره وتصرّفاته وشؤونه، ولشدّة احتياطه(قدس سره) أعاد عبادة السنين الأوائل من التكليف، وكان يقول : لعلّ صلاتي خلال هذه السنين كانت فاقدةً لبعض الشرائط من قبيل طهارة المكان أو الثوب ونحوهما. ولشدّة احتياطه ـ أيضاً ـ كان يتحاشى عن المال المشتبه فكان لايتصرف به بحال من الأحوال وإن وقع في يده بوجه شرعي، بل كان يتصدَّق به درءاً للشبهة، وعملاً بقولهم(عليهم السلام) من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
فكان إذا أراد أبناؤه الذهاب إلى الحلاّق أعدّ لهم قدر أُجرة الحلاّق من دون زيادة، لئلاّ يرجع الحلاّق لهم الباقي من أمواله التى قد تكون مختلطةً بأموال كسبها من عمل فيه شبهة، وهو حلق اللحية .
وهذا يوقفنا بكلّ وضوح وجلاء ما كان عليه شهيدنا الفقيد من الورع التام، والاحتياط الكامل في اُمور الدين .
ولشدّة ورعه وتقواه كان رحمه الله يستخرج خمس كلّ شيء بمجرّد أن يمتلكه قبل أن يتصرّف فيه، فكان يخرج حتى خمس الكتاب الواحد بعد شرائه .
ومن هنا نذعن بأن الشهيد الجلالي لم يكن عالماً فحسب، بل كان عالماً متقياً قد قرن علمه بتقوى الله، والتورّع عن محارمه، والعلم ما لم يقرن بتقوى الله فهو والجهل سواء .
لذا فإن أعداء الدين لم يهابوا العلم بمجرده، بل الذي أقضّ مضاجعهم وزلزل عروشهم هو العلم المقرون بتقوى الله تعالى .

عدوّك بالتقى والعلم فاقهر *** فأنت بذا وذاك عليه تقوى
فما قرن الفتى شيئاً بشيء *** كمثل العلم يقرنه بتقوى

كان الشهيد(قدس سره) كريم الطبع، واسع العطاء، كثير الانفاق، لا يردّ من سأله حريصاً كل الحرص على اكرام جيرانه والاحسان إليهم وتفقد أحوالهم، كما كان كذلك مع أقربائه وأصدقائه وتلامذته، وتنقل عنه(رحمه الله) في هذا الصدد مآثر حسان .
منها : ما حدثني به المرحوم حجة الإسلام والمسلمين النخجواني(رحمه الله)من أنّ شخصاً من أصدقائهم ـ وقد ذكر اسمه ـ ضائقة مالية، فأعطاني السيّد الجلالي(قدس سره)مبلغاً من المال ـ يسدُّ به حاجته ـ وطلب مني إيصاله إليه وعدم إخباره بالمعطي .
وهذه القصة لها نظائر كثيرة في حياة هذا الرجل العالم، وهي بلا شكّ تعبّر عن مدى حبه للخير ومدى اتّباعه لسيرة الأئمّة الأطهار(عليهم السلام).
كان قصده الوحيد في الإعطاء والبذل هو الله تعالى، فإذا أيقن بأنّ عطاءه مكلّل برضا الربّ أعطى وبذل وإن كلّفه ذلك حياته .
نعم لقد كان الشهيد الجلالي كذلك، فقد بذل حياته الكريمه، ودمه الطاهر لينال بذلك مرضاة ربّه تقدّست أسماؤه .
وإن تكن الدنيا تعدّ نفيسةً *** فدارُ ثواب الله أعلى وأنبلُ
وإن تكن الأموال للترك جمعُها *** فما بالُ متروك به المرءُ يبخلُ
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئتْ *** فقتلُ اُمرىء بالسيف في اللهِ أفضلُ

كان(رحمه الله) على جانب عظيم من الخلق الكريم، موصوفاً بطيب الطبع، معروفاً بالتواضع لايُرى فيه أثرٌ للكبرياء، يتحلّى بصفات نفسانية سامية، بشوشاً لاتفارق شفتيه الكريمتين الابتسامة الطيبة، متكلّماً، إذا أخذ بناصية الكلام أنصت جلساؤه.
ومن أهم الصفات الاجتماعية التي يتمتّع بها الشهيد(رحمه الله) حسن المعاشرة، وقوّة التصرّف، وهاتان الصفتان وليدتا فطرته الطاهرة، ومن آثارتربيته الصالحة، فألّف بهما بين قلوب كانت متنافرة كما امتصّ بها غضب حاسديه وأعدائه من أعداء الدين، مما ساعده كثيراً على بلوغ ما كان يصبو إليه من أهدافه الإسلامية السامية .
اللهمّ ارفع درجاته في أعلى عليين مع أوليائه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرين(عليهم السلام) في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
فعليك يا سيّدي رحمة الله تعالى وبركاته، وعلى أرض ضمّتْ جسدك المخضّب بدم الشهادة .
ولعنة الله وغضبه على قتلتك وظالميك إلى يوم الدين .

الصفحة الرئيسية